الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )
19
الطفل بين الوراثة والتربية
الحجاج ليعاقبهم على ذلك ، فتحقق عن وضع كل منهم وعيّن لكل عقوبته ، وعندما وصل إلى آخر رجل منهم قام المؤذن للأذان معلناً دخول وقت الصلاة ، فقام الحجاج وسلّم المتهم إلى أحد الحاضرين واسمه ( عنبسة ) وقال له : خذه معك إلى البيت وأحضره لي غداً حتى أقرر عقوبته فنفذ عنبسة الأمر وخرج معه من قصر الامارة . وفي الطريق قال له المتهم : هل يرجى منك خير ؟ فقال له عنبسة : حدثني بما تريد فعلي أوفق لأعمل لك خيراً . فقال المتهم : والله لست خارجياٌ ، لم أخرج على مسلم ، ولم أشهر سيفي على أحد ، وأنا بريء من هذه التهمة المنسوبة إلي وبالرغم من أنهم قبضوا علي وأنا بريء فان أملي برحمة الله العظيم وطيد ، وأعلم أن فضله سيشملني ولا أعذّب من دون ذنب ولكن أرجوك ان تسمح لي بالذهاب إلى أهلي هذه الليلة لأودعهم وأوصيهم بوصاياي وأؤدي حقوق الناس وسأحضر عندك غداً صباحاً . يقول عنبسة : لقد استغربت من هذا الطلب الذي توجه به المتهم فلم أجبه ، فكرّر عليّ السؤال ، حتى أثر كلامه في نفسي ، وخطر ببالي أن أتوكل على الله وأنزل عند رغبته فصممت على ذلك وقلت له : اذهب ولكن يجب أن تعاهدني على الرجوع غداً ، فقال الرجل : عاهدتك على أن أحضر غداً صباحاً وأشهد الله على هذا العهد ، ثم ذهب حتى غاب عن عيني . ولكن ما إن رجعت إلى نفسي حتى اضطربت اضطراباً شديداً وندمت على ما فعلت فقد عرّضت نفسي لغضب الحجاج من دون سبب ، ولازمني الاضطراب حتى ذهابي إلى البيت فذكرت ذلك لأهلي فلاموني . . . ولكن لات حين لوم . لم أنم تلك الليلة ، كنت أتململ كالسليم ، وأتقلب كالثكلى ، وعند الصباح وفى الرجل بعهده فتعجبت من مجيئه وقلت له : لماذا حضرت ؟ قال : من آمن بالله واعتقد قدرته وعظمته وعاهد على أمر وجعل الله شهيداً على عهده فلا يخلف عهده . فأخذته إلى قصر الامارة في الساعة المقررة وذكرت للحجاج ما جرى بيني وبينه الليلة السابقة ، فتعجب من ايمان الرجل ووفاءه بعهده ، ثم قال لعنبسة : أتريد أن أعفو عنه لأجلك فقال : لو تتكرم عليّ بذلك فلك المنة العظيمة ، فعفا الحجاج عن المتهم وأخرجه عنبسة من دار الامارة وقال له بكل